اكراهات العمل في المجال القروي

 

تعد مهمة التدريس مهمة المصاعب أكثر من مهمة الصحافة كما يُشاع، فإذا كانت الصحافة تستمد مصاعبها في الحصول على المعلومات (الميدان-المجتمع أو ساحات الحروب-أو من مصادرها التي تستعصي أحيانا)، فإن مهنة التدريس تستمد صعوبتها في تعاملها مع الإنسان بالدرجة الأولى (الطفل/ الأسرة/ الإدارة…) ومحيطه في درجة ثانية (المجتمع، الثقافة، الإعلام…).

التدريس في العالم القروي في القرن 21،

ثمة اختلافا كبيرا بين العمل في الوسط الحضري والعمل في الوسط الشبه الحضري، اختلاف تتحكم فيه الظروف الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية للمتعلمين وأسرهم، مما يؤثر سلبا على عملية التدريس، يمكننا أن نصنف هذه الإكراهات  إلى مجموعة من الأسباب نجملها في: أسباب إدارية، أسباب مرتبطة بالمحيط (القرية/ البادية)، أسباب متعلقة بالأسرة، أسباب مرتبطة بالبيئة الصفية، المدرس، المتعلم (ة).

الأسباب الإدارية:

لقد شهدت وزارة التربية الوطنية أكبر هجرة في إطار التقاعد النسبي، مما أثر على الموارد البشرية الكافية واللازمة لتغطية الخصاص الذي يتطلب الاستجابة لمتطلبات المدرسة الوطنية، فعملت الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية بإعادة انتشار المدرسين لتغطية الخصاص في بعض المؤسسات بضم المستويات في مؤسسات الأخرى، مما أفرز الاكتظاظ إما بسبب تأخير التسجيلات في المستوى الأول أو  بسبب تأخر التحاق المتعلمين(ات) إلى فصولهم الدراسية (المستويات الأخرى) الأمر  الذي يستحيل معه طلب مدرسين أو إعادة تنظيم البنية التربوية، فتمت إعادة الخريطة المدرسية للمديريات الإقليمية بناء على الوضعية الجديدة، فأضحى الاكتظاظ ( ارتفاع عدد المتعلمين في القسم الواحد) وتعدد مستويات القسم الواحد ( مستويين أو ثلاث فأكثر) نتيجة مباشرة لهذه الإجراءات، قبل أن يتم الاهتداء إلى العمل بالأساتذة المتعاقدين مع الأكاديميات الجهوية في إطار تفعيل اختصاصاتها الجديدة في ظل الجهوية الموسعة.

أسباب مرتبطة بالبيئة المدرسية:

يعد العالم القروي، بنية اجتماعية تقليدية، ربما مازالت تحافظ على بعض القيم التقليدية في معاملاتها وطريقة حياتها، إلا أن هذه البيئة تعد – من جهة ثانية- عائقا كبيرا في التعليم والتعلم، فغياب الثقافة المدرسية كما يسميها بورديو، تجعل عمل المدرس مهمة صعبة، رغم أننا نعيش في مجتمع المعلومات وما يفترضه من مواكبة للمستجدات المعرفية والتكنولوجيا؛ فغياب النماذج الناجحة في محيط المدرسة ممن ترقوا في السلم الاجتماعي من أبناء المدرسة (أطر تعليمية، مهندسين، أطر إدارية…)، لا يُشجع المتعلمين على التعلم والتعليم، مما يشعرهم بالإحباط بأن المؤسسات التربوية مؤسسات غير منتج و لا تساهم في الحراك الاجتماعي وتسلق السلم الاجتماعي؛ إضافة إلى افتقار المحيط المدرسي إلى مراكز للتكوين المهني وأحيانا كثيرة إلى محلات للحرف والمهن (المناطق ذات الطابع الفلاحي مثلا) يمكنها أن تمتص المتعلمين الذين يشكون تراكما للتعثرات مما ينتج عنه الفشل المدرسي و بالتالي الهدر المدرسي. إن غياب وعدم تفعيل مؤسسات المجتمع المدني لأدوارها الريادية – كما سطرها الدستور الجديد-لبناء الوعي وتشجيع ثقافة النقاش والحوار عبر الأنشطة الثقافية والندوات والمحاضرات، من جهة؛ ومن جهة أخرى إحياء العلاقات الإنسانية والاجتماعية المغربية عبر التضامن والمشاركة والتواصل من أجل الصالح العام.

أسباب متعلقة بالبيئة الأسرية:

الأسرة هي المدرسة الأولى للمتعلم (ة)، فمنها يكتسب التوجيهات الأولى التي تؤطر رؤيته للعالم من جهة وللمدرسة من جهة أخرى، فالثقافة الأسرية أو مجموعة الأحاديث والخطابات التي تروج داخل الأسرة من شأنها أن تؤثر على الطفل و نفسيته، فالثقافة المدرسية التي يكتسبها المتعلم (ة) من أسرته هي مجموع الخطابات والمعلومات التي يتشبع بها المتعلم (ة) عن المدرسة قبل اكتشافها، و قد تكون هذه الخطابات مثل القول: “أن المدرسة لا فائدة منها”، “أن المدرسون لا يعملون شيئا” ، ” أن المدرسة العمومية لا تنتج عكس القطاع الخاص”، ” القراءة و المطالعة لا تنفع في شيء”،” أن شعبة العلوم أهم من شعبة الأدب”، ” أن اللغة الفرنسية أصعب من اللغات الأخرى” …. كل هذه الخطابات تشتغل في لاوعي المتعلم (ة) مما يجعل تعامله مع المدرسة والمدرسين والمعرفة واللغات تعاملا سلبيا، على مستوى التعامل أو التواصل أو الاكتساب.

كما نجد أن الأسرة كمحضن عاطفي أساسي للمتعلم، نادرا ما يتأسس على تشجيع المتعلم (ة) على الاجتهاد والمثابرة ودعمه للتفوق والاطلاع وتحفيزه للإنجاز، بل نجد العكس من ذلك تماما، إذ نجد بعض الأسر في الوسط الحضري والشبه حضري، تساهم في إحباط المتعلم (ة) بأقوال من قبيل” عارفت ما غدير والو فالمدرسة… غير سير”، ” لن تكون إلا كأخيك في الدراسة وستعمل ميكانيكيا “،”سير تخدام اش بغيتي شي قرايا”، ” العائلة ديالنا حتى واحد فيها مكيقرا”، ” الفتيات مكانتهن المطبخ وليس المدرسة”…. مجموعة من الأقوال والعبارات التي تُشعر المتعلم(ة) بالإحباط والعجز وقلة الحيلة، مما يساهم في لادافعيته démotivation للتعليم والتدريس؛ كما أن عدم مواكبة المتعلم (ة) ومراقبته اليومية والتواصل مع أساتذته بشكل دوري يساهم في فتور دافعيته للتعلم والإنجاز؛ غير أنه يحاسب عن نتائجه في نهاية المرحلة أو السنة الدراسية.

أسباب متعلقة بالبيئة الصفية:

يقصد بالبيئة الصفية، الفضاء الذي يتفاعل في المتعلم (ة) مع المدرس ومتعلمين آخرين، فالبيئة الصفية هي فضاء العلاقات البسيكوسوسيولوجيا ( علم النفس الاجتماعي)،إن العلاقات التي تربط المدرس بالمتعلمين -ات) من شأنها أن تؤثر على تفكير المتعلم (ة) فتشجعه(ها) على حب المدرسة أو تُنفّره منها، فالشغب الذي نعيشه في مؤسساتنا التربوية راجع إلى التوتر الناتج عن هذه العلاقة ( المدرس- متعلم)، والتي تشكو من اندثار قيم الاحترام المتبادل وغياب القيم المؤطرة للعلاقات الإنسانية، مما يساهم في توترها؛ وبالتالي تحولت البيئة الصفية من فضاء للتبادل والتعلم إلى ساحة للصراع والندية، مما يؤثر سلبا على العملية التعليمية التعلمية، كما يساهم فقر بنية الفضاء المدرسي ( المدارس، القاعات، المرافق) في الوسط الشبه حضري إلى الإحساس بالتهميش والدونية.

أسباب متعلقة بالمُدرس:

إن الأطر التربوية التي تشتغل في الوسط الحضري – وأحيانا الحضري أيضا- يعانون من نتائج الأسباب التي تمت الإشارة إليها ـ خاصة ما يتعلق منها بالأسباب الإدارية والأسرية والمحيط، وتتمثل النتيجة الأساسية – كوجه لمهنة المصاعب-في الإنهاك المهني يتجلى في ضرورة التعامل مع اكتظاظ وكثرة المتعلمين(ات) الذين يعمل على تهدئتهم وإسكاتهم من أجل بناء الدرس أو على الأقل الاستماع إليه؛ نقص الدافعية لضرورة مواجهة فصل بمستويات  وفوارق فردية متعددة، وإيقاعات متباينة وأنماط مختلفة للتعلم؛ الإجهاد النفسي والعقلي لصعوبة التركيز لتعدد المواد واختلافها، وانعدام التكوينات الخاصة بالتعامل مع هذه الظواهر التربوية الجديدة.

أسباب متعلق بالمتعلم (ة):

إذا كان المحيط والأسرة لا يسعفاني المتعلم (ة) على التعلم والتعلم، وإذا كانت الظرفية التاريخية التي تعيشها المجتمعات في ظل العولمة وهيمنة الثقافة الاستهلاكية والتكنولوجيا، وإذا كان المنهاج الدراسي الذي لا يواكب المتغيرات الدولية والاجتماعية ولا يواكب الحاجات المتحولة والمتغيرة للمتعلم ولا يسمح له بارتقاء السلم الاجتماعي في الوسط شبه الحضري…. فإن عدم التركيز نتيجة أساسية للاكتظاظ وتداخل المستويات والمواد؛ أما الشغب وعدم الانتباه فنتيجة لتراكم الثغرات وعدم القدرة على مواصلة التركيز؛ أما انعدام الدافعية فترجمة لتراكمات الإحباط الأسري وافتقاره للثقافة المدرسية، وكذا فقر المحيط للنماذج الناجحة وغياب التحفيز الخارجي (الجمعيات) والداخلي.

الحلول الممكنة أو المقترحة من منظور ذاتي:

انطلاقا من الأسباب التي تمت الإشارة اليها، ومواكبة مع المستجدات والتغيرات الدولية في مجال التربية، التي تستهدف التحول من ” التعليم إلى التعلم”؛ والانتقال بالمتعلم من مرحلة الاستقبال والاستهلاك إلى مرحلة الانتاج والتعلم الذاتي والفردي بما يسمح له بمواكبة الفلسفة العالمية والعولمية على المستوى القيمي والمفاهيمي والتكنولوجي، فتبقى الاسرة قبل المدرسة المحضن الأساسي والوحيد الذي يمكنه تشكيل المتعلم نفسيا وعقليا، وتُعد مواكبتها –الاسرة- اليومية للأنشطة المدرسية و التربوية استكمالا لعمل المناهج التربوية  داخل المؤسسات التربوية، في ظل منافستها مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأكثر  تأثيرا وشراسة كالتلفاز والإعلام والوسائط الاجتماعية.

 

 

2 تعليقان

  1. J’aurai souhaité que le texte présenté soit traduit en Français. Peu de citoyens lisent et comprennent l’arabe classique. Je ne peux hélas vous apporter une quelconque contribution pour le moment. Mais sachez que je reste disponible pour échanger avec vous autour des thèmes de l’éducation, rééducation et psychologie de l’enfant. Je vous souhaite une bonne continuation dans vôtre noble mission.