أين الخلل… التعليم؟

لا يتم التمييز بين التعليم و التربية الا في الدوائر الاكاديمية، و في العصور المتاخرة من الحضارة الانسانية، ذلك لأن عملية التربية كانت عملية تنشئة جامعة، تشمل التربية الاخلاقي (تربية/قيم)، والتربية المعرفية( التعليم)، والتربية النفسية (الوجدانية/ الاجتماعية)، والتربية الجسدية (الرياضة)، والتربية الدينية (الروحية)…

لقد اختلفت الفلسفات التربوية، على مر العصور، باختلاف الجانب التربوي الذي ركزت عليه في مؤسساتها التربوية؛ فهي تربية جسدية كما لدى الاسبراطا في اليونان القديمة (كما صورها فيلم الامريكي 300 لسنة 2007)، أو تربية معرفية/ علمية كما نهجتها مؤسسات التربية في العصور الوسطى في الجامعات والاديرة الكنسية التي تركز على تدريس اليونانية واللغات القديمة (كما صورتها رواية وفيلم “اسم الوردة”au nom de la rose لامبيرتو ايكو الايطالي 1986)، و تربية عاطفية رومانسية وقوطية لاوربا القرن 17 وبداية 18 (كما صورها فيلم/ رواية مدام بوفري madame bovarye 2014، او رواية/ فيلم كبرياء و تحامل Orgueil et Préjugés لاجون اسوتين 2016)، و تربية علمية وتقنية تستهدف بشكل واضح إعداد يد عاملة تلج المصانع، مع العصر الصناعي في اوربا؛ من هنا ظهرت المؤسسات التعليمية لتضلع بدورين اساسين- مازالا ساري المفعول الى الآن- وهما: الاول هو إعداد الاطفال/ الشباب/ التلاميذ للادماج في سوق الشغل كيد عاملة تضلطع بمهام واضحة وبسيطة ( ونحيل هنا الى بداية فيلم شارلي شابلن les temps modernes 1936)؛ اما الثانية، فتتجلى في كون هذه المؤسسات تهدف للاحتفاظ بالاطفال لحين عودة الاسرة من العمل، فالدوام أو الزمن المدرسي للمؤسسات التعليمية كان مثل زمن العمل في المصانع والمنشأت الصناعية، في بدايته؛ اما الان- وكما أشرنا اليه في الورقة الاولى من “اين الخلل…”- فقد ظهرت مجموعة من المشاكل الاجتماعية التي افرزتها هذه الثقافة التي فصلت بين أدوار الوالدين وحضورهم في البيوت، والتربية الجيدة للأطفال، والنتيجة تردي القيم، واستفحال ظواهر اجتماعية كانت مقتصرة على الشباب، فأضحت الآن متفشية بين الاطفال والتلاميذ كالمخدرات، الجنس، عدم الاحترام، اللامبالاة، الغضب والعنف والتعصب…

المفارقة الغريبة، أن وظائف المدرسة، وكما تناولتها مقاربات علم اجتماع التربية الكلاسيكية منذ دوركايهم الى الان، مازالت تحتفظ بهذه الوظائف كما هي؟ أي إعداد الفرد/ العامل للاستجابة لمتطلبات سوق الشغل/ المصانع؛ رغم أنه يفصلنا عن العصر الصناعي ثلاثة قرون تقريبا، ومررنا من العصر المعلوماتي لنحط الرحال في العصر المعرفة و الرقمنة. فالمؤسسات التعليمة تعيش ايامها الاخيرة كمؤسسة تجاوزها التاريخ والمجتمع والواقع، فمخرجاته لا تستجيب لمتطلبات سوق الشغل إقليمية أو محلية كانت، تجاوزها التاريخ كمؤسسة وفلسفة و بنية وطرق اشتغال … إن قراءة سريعة وخاطفة لدساتر الانظمة التربوية العربية والدولية في العالم المعاصر، رغم ما يقال عن التنقيح المستمر للمناهج و الانظمة التربوية، لا تزال تحكمها رؤية أن المؤسسات التعليمية، فضاءات للتكوين (العملي/ التقني)، التثقيف(التنشئة/ الوعي)، التربية (بدنية، العاطفية، الوجداني)… فهي- كما نرى تجمع جل الفلسفات التربوية التي مرت على التاريخ الانساني ولم تستطيع ان تتجاوزه، فأضحى التعليم، اليوم، يهدف الى تربية الفرد جسدا وعقلا وروحا وقيما…، من أجل تكوينه/ إعداده للاندماج في مجتمعه (التنشئة الاجتماعية حسب دوركايهم) و في سوق الشغل.

إن تعدد الوظائف هاته واختلاف التوجهات الفلسفية التي تؤطر المؤسسات التعليمية، يجعل من التعليم ” يهدف لكل شيء ولا يحقق أي شيء”، تعدد المتدخلون (الاباء، التلاميذ، الادارة، السياسي، الدولة، النقابات،المؤسسات الدولية…)، وهذا التعدد أدى ويؤدي الى تشعب الرؤى و اختلاف الاراء لدرجة يصعب عليها التحقيق الفعلي للاهداف المسطرة، فتغيب الرؤية وينتفي الانجاز وتتوالى الاصلاحات… دون ان يقطف المجتمع ثمار هذه المؤسسات التعليمية. ( يتبع)