مقالات تربوية

لماذا ندّرس الجغرافيا؟

تمثل الجغرافيا أحد العلوم الشمولية والمتمفصلة بين التخصصات البشرية والطبيعية؛ حيث نجد هذا التخصص يصف ويحلل ويفسر الظواهر البشرية مثل الديناميات والبنيات السكانية وتحولات المدن والأرياف ومختلف الأنشطة الاقتصادية للإنسان كما نجده يصف ويحلل ويفسر الظواهر الطبيعية من بيوجغرافيا وجيومورفولوجيا ومناخ وهيدرولوجيا وغيرها. إن هذا الترابط البشري-الطبيعي ما كان ليُدرس جغرافيا دون تحديد مكاني؛ ومن هنا جاءت الجغرافيا الإقليمية لتدرس التفاعلات البشرية والطبيعية داخل إقليم جغرافي معين (مدينة، قرية، بلد…).

من خلال هذا المقال سنسلط الضوء على أهمية تعلم الجغرافيا، وذلك من خلال تحديد الفوائد والوظائف التي يمكن أن يقدمها لنا تعلم هذا العلم الإنساني-الطبيعي والتي يمكن أن تتحول إلى عوامل محفزة لتعلم الجغرافيا بفروعها المتعددة؛ وسنحدد عشرة عوامل لتعلم هذا التخصص:

إذن ما العوامل العشرة التي تجعلنا ندرس الجغرافيا[1]؟

أولا: تساعدنا الجغرافيا في فهم الأنظمة الطبيعية المادية التي تتحكم في حياتنا اليومية مثل العلاقات بين الأرض والشمس، دورة الماء، حركة الرياح والتيارات البحرية؛ وكلها أنظمة مهمة في حياة الإنسان فلابد من الإلمام بعلاقاتها.

ثانيا: من أجل التعرف على الموقع الجغرافي للأماكن وخصائصها الطبيعية والثقافية بكيفية أصبحت أكثر وظيفية في عالم يتزايد فيه الاعتماد المتبادل. ولعل الجغرافيا الإقليمية تقوم بهذا الدور القيم؛ فعند دراستنا للقوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية مثلا نتعرف مظاهر هذه القوة الاقتصادية عبر وصف قطاعاتها الاقتصادية الثلاثة ونفسر هذه القوة؛ حيث يسمح لنا ذلك بدراسة الطبيعة الأمريكية من تضاريس وتربة ومناخ وشبكة نهرية ومعادن وطاقات، كما نفسر هذه القوة بالموارد البشرية ما يجعلنا نتعرف على المميزات الديمغرافية والسوسيو-اقتصادية والتنظيمية والعلمية للساكنة الأمريكية وحكومتها السياسية.

ثالثا: لفهم جغرافية الأزمنة الماضية والدور الذي لعبته الجغرافيا في تطور البشر وأفكارهم، إضافة إلى تطور الأماكن والبيئات. فعندما ندرس خريطة الدار البيضاء سنة 1960 وخريطتها سنة 2019، فإن هذه الدراسة تمكننا من رصد التحولات التي عرفها التراب البيضاوي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وغيرها من التحولات.

رابعا: تلعب الجغرافيا الدور الأساس في بناء المتعلم لخريطة ذهنية لمجتمعه، لإقليمه أو ترابه، لبلده وعالمه، بكيفية لفهم “المكان” “le où” الخاص بالأماكن والأحداث. فمن أهم ما يمكن يستفيده متعلمو الجغرافيا أن يوطنوا أماكن عيشهم المحلية والإقليمية والوطنية.

خامسا: تولد دراسة الجغرافيا القدرة على تفسير الكيفية التي أثرت -من خلالها- أنظمة السيرورات البشرية والطبيعية في سطح الأرض، بل وحولته في بعض الأحيان. ويدخل في هذا الإطار مختلف الأعمال البشرية مثل الزحف العمراني واجتثاث الغابات والتصنيع… وغيرها من السيرورات الطبيعية من قبيل التعرية المائية والريحية والزلازل والبراكين.

سادسا: لفهم التنظيم المكاني للمجتمع وتثمين التوزيع الجيد، فمن خلال النظرة الأولى للتوزيعات البشرية والمكانية نجدها تبدوا وكأنها منتشرة عن طريق الصدفة؛ إلا أن الدارس للجغرافيا يكتشف دور البشر في التحولات التي عرفتها الكرة الأرضية.

سابعا: ليكون قادرا على تعرف التوزيعات المجالية بكل المقاييس -من المحلي إلى الكوني- وذلك عبر فهم الروابط المركبة التي توحد البشرية مع الأماكن. ففي زمن العولمة أصبح كل شخص مطالبا بضبط التوطين الجغرافي لمكان إقامته (بلدة صغيرة، قرية) وتوطين الإقليم أو الجهة التي ينتمي إليها، كما أصبح كل شخص ملزما بتوطين وطنه وقارته وسط قارات العالم.

ثامنا: ليكون قادرا على إصدار أحكام مستنيرة حول المشاكل المرتبطة بالعلاقات بين البيئة الطبيعية والمجتمع. فدارس الجغرافيا لابد أن يتعرف على المشاكل البيئية التي يتسبب فيه البشر من قبيل التلوث والتعرية… ما يدفعه للتفكير في اقتراح حلول لمعالجة هذه الاختلالات البيئية التي يتحمل البشر مسؤوليتها.

تاسعا: إن تعلم الجغرافيا ينمي الوعي بكون الأرض وطنا للبشرية كافة وبالتالي المشاركة في اتخاذ القرارات المستنيرة حول تدبير موارد كوننا. خاصة في ظل تعدد الكوارث الكونية التي تهدد كوكب الارض مثل التغيرات المناخية، التصحر.

عاشرا: تساعد دراسة الجغرافيا على فهم الاعتماد المتبادل للظاهرة الكونية؛ أي مختلف الترابطات التي تضمن التوازن على كوكب الأرض الذي نعيش فيه (تبادلات تجارية وتفاعلات ثقافية وغيرها)، وبالتالي التحول إلى أفضل مواطن (ة) عالمي (ة). يظهر من خلال العوامل أعلاه أن الجغرافيا تخصص وظيفي يرتبط ارتباطا وثيقا بحياة الإنسان؛ فإذا تأملنا كل عامل من العوامل العشرة نجد أن الجغرافيا تعلمنا التموقع المجالي بمقاييسه الكبيرة والصغيرة (من المحلي إلى الكوني)، كما تطور معارفنا بترابطات الأنظمة التي تهيكل الحياة على سطح الأرض، وتنمي وعينا بالمخاطر الطبيعية والبيئية التي تهدد حياتنا؛ وبالتالي قدرتنا على التفكير في إيجاد الحلول الفعالة والناجعة لمواجهة هذه المخاطر.

الكاتب: عادل اليمني أستاذ الثانوي التأهيلي – باحث تربوي


[1] Conseil canadien de lenseignement de la géographie, la presse, 26 février, 2006.

اظهر المزيد

تربية و تكوين

استاذ مهتم بعالم التربية و التكوين في المجال التربوي مهتم بنظريات التربية و الطرق التدريس الحديثة مهتمه بالبحوث التربوية و كل ما يتعلق بالمجال الديداكتيكي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!