مقالات تربوية

علم اجتماع التربية

يعد علم الاجتماع التربية فرعا من فروع علم الاجتماع العام، وميدانا من أهم ميادينه الميكرو مجتمعية؛ نظرا لعلاقة المدرسة بالمجتمع والتنمية والتخلف، بل أكثر من هذا، فثمة تأثير وتأثر متبادل بين هذين العلمين، إذ يشتغل علم اجتماع التربية على التصورات الاجتماعية والمقاربات المنهجية والتطبيقية التي يرتكن إليها علم الاجتماع العام.

وفي الوقت نفسه، يستفيد علم الاجتماع العام من قضايا علم الاجتماع التربية، ونتائجه المختبرية والميدانية والتحليلية. كما يستفيد علم الاجتماع التربية أيضا من معظم النظريات والمقاربات التي اعتمدتها السوسيولوجيا العامة، مثل: المادية التاريخية (كارل ماركس، والبنيوية لويس ألتوسير)، و البنيوية الوظيفية (بارسونز وميرتون)، النسقية (كومبس وبودون وفالو).

ومن جهة أخرى، يوظف هذا العلم الأدوات والمفاهيم نفسها التي يستخدمها علم الاجتماع العام، ويناقش الموضوعات والقضايا التي يناقشها على سبيل المثال لا الحصر: علاقة النظام التربوي بالمجتمع الكلي. ومن ثم، لا تكتفي سوسيولوجيا التربية بالمقاربة الميكرو مجتمعية على أساس أن المدرسة مجتمع مصغر، بل تتعدى ذلك إلى التعامل معها ضمن المقاربة الماكرو سوسيولوجيا، بالتوقف عند علاقة المؤسسة التربوية بباقي التنظيمات المجتمعية الأخرى؛ كما لا تعنى بدراسة المدرسة أو المؤسسة التربوية فقط، بل تهتم كذلك بدراسة الممارسات التربوية واستجلاء مختلف العلاقات الاجتماعية التي تتحكم في تصرفات الفاعلين داخل المؤسسة التربوية.

يدرس علم الاجتماع التربية كل الظواهر المتعلقة بمجال التربية والتعليم والمؤسسة الدراسية في علاقتها مع المجتمع. مما يدل على أن المدرسة تعكس محيطها الاجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن ثم تركز هذه السوسيولوجيا على دراسة المؤسسة التربوية من الداخل والخارج، بدراسة مكوناتها وعناصرها ونسقها الوظيفي الكلي برصد مختلف الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة التعليمية، سواء كانت أنشطة مادية أم معنوية. ثم رصد مختلف العلاقات التفاعلية التي تجريها المؤسسة مع المجتمع الخارجي بالتوقف عند ثوابتها ومتغيراتها، واستجلاء خصائصها ووظائفها وأدوارها المجتمعية، ومدى مساهمتها في فهم المجتمع وتحليله اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وحضاريا من خلال اعتماد التربية كمدخل لهذا التحليل. علاوة على ذلك، تتوقف سوسيولوجيا التربية عند مكونات المدرسة وعناصرها الفاعلة والوظيفية، كالعنف – مثلا – عند التلاميذ، والمدرسين ورجال الإدارة، والأعوان والمساعدين، والمشرفين التربويين.

يختلف المهتمين بحقل علم اجتماع التربية في تحديدهم لمضامين ودلالات سوسيولوجيا التربية، فكل منهم ينطلق من قناعته الفكرية وخلفيته الفلسفية التي تنعكس على هذا الحقل، لدى سنقوم بتقديم بعض التعاريف المتنوعة لمفهوم سوسيولوجيا التربية.

يعرف أحمد أوزي سوسيولوجيا التربية بقوله:” يقوم علم الاجتماع التربية بدراسة أشكال الأنشطة التربوية للمؤسسات، كأنشطة المدرسين والتلاميذ والإداريين داخل المؤسسات المدرسية. كما يقوم بوصف طبيعة العلاقات والأنشطة التي تتم بينهم. كما يهتم علم الاجتماع التربوي بدراسة العلاقات التي تتم بين المدرسة وبين مؤسسات أخرى، كالأسرة، والمسجد، والنادي. كما يهتم بالشروط الاقتصادية والطبيعية التي تعيش فيها هذه المؤسسات وتؤثر في شروط وجودها وتعاملها.

أما عبد الكريم غريب، فيعرفها بقوله: ” علم يدرس التأثيرات الاجتماعية التي تؤثر في المستقبل الدراسي للأفراد كما هو الشأن بالنسبة لتنظيم المنظومة المدرسية، وميكانيزمات التوجيه، والمستوى السوسيوثقافي لأسر المتمدرسين، وتوقعات المدرسين والآباء، وإدماج المعايير والقيم الاجتماعية من طرف التلاميذ، ومخرجات الأنظمة التربوية. ويمكن تحديد موضوع سوسيولوجيا التربية من خلال البحث العلمي حول نوعية الروابط القائمة بين المؤسسات التربوية المختلفة وبين باقي البنيات والأطر الاجتماعية الأخرى، وما هي الوظيفة التي تقوم بها تلك المؤسسات داخل مجتمع ما؟ وما مدى مساهمتها في تنشئة الأفراد؟ والى أي حد تحدث تعديلات في الهرمية الاجتماعية القائمة الحركية الاجتماعية؟ وما مدى تأثيرها في البنيات الثقافية؟ وما علاقتها بالبنيات المهنية والثقافية الموجودة؟  تلك أهم التساؤلات التي تطمح سوسيولوجيا التربية للإجابة عنها، مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات القائمة بين المجتمعات المتنوعة.

ويعرف علي الحوات علم الاجتماع التربية بقوله: ” هو العلم الذي يختص بدراسة الإنسان حينما يدخل في علاقة مع إنسان آخر في إطار تربوي يهدف إلى تكوين الخبرة، أو المعرفة، أو الثقافة، أو التعليم، أو التدريب “. أي العلاقات التي تتم بين الأفراد في الإطار التربوي التعليمي”، سواء أكانت هذه العلاقات بين تلميذ وآخر، أو بين تلميذ ومعلم، ثم بين التلاميذ والمعلمين ككل، وبين كل من في المؤسسة التربوية، والنظام التربوي بشكل عام وبين كل من في الإطار التربوي والمؤسسات الاجتماعية الأخرى في المجتمع الكبير.

وعليه، فسوسيولوجيا التربية هي التي تعنى بدراسة المدرسة في علاقتها بمحيطها المجتمعي ودراسة مختلف التفاعلات الاجتماعية داخل المؤسسة التربوية نفسها، والاهتمام بمختلف الأنشطة والأدوار التي تقوم بها المدرسة التربوية، مع التركيز على مجموعة من الظواهر الاجتماعية التربوية، مثل : سلطة المدرسة، والنجاح والإخفاق، والانتقاء أو الاصطفاء التربوي، ودور المدرسة في انتخاب النخبة، والفوارق الاجتماعية والطبقية داخل المؤسسة والهدر المدرسي، وديناميكية الجماعات، ومشروع المؤسسة، والشراكة التربوية، والتوجيه التربوي، والمسالك المهنية، وديمقراطية التعليم، وتفاعلات المدرسة الداخلية والخارجية، وقضية اللامساواة الطبقية، والمدرسة والإعلام أو موقف المدرسة من التحديات الإعلامية للتلفزيون والأنترنيت، والتفاعل التربوي داخل المؤسسة أو الفصل الدراسي، وطبيعة العلاقة بين المدرسة والأسرة، وقضية الانتماء الاجتماعي، والتحصيل الدراسي، والنجاح المدرسي.

اظهر المزيد

تربية و تكوين

استاذ مهتم بعالم التربية و التكوين في المجال التربوي مهتم بنظريات التربية و الطرق التدريس الحديثة مهتمه بالبحوث التربوية و كل ما يتعلق بالمجال الديداكتيكي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!