مقالات تربوية

رقمنة التعليم الواقع والافاق

أعلنت المدرسة، منذ السبعينات من القرن الماضي، انخراطها في تبني الرقمنة واحتضان التكنولوجيا الرقمية بكل وسائلها داخل فضاءاتها. فتنامى الاهتمام بها وكبر إلى أن أصبحت الوسائل الرقمية تحتل مكانة جد هامة في أوساط المؤسسات التعليمية كلها. فتجد جميع المدارس بدون استثناء – من أرقى المؤسسات الخاصة إلى أبعد فرعية في العالم القروي- تعرف الكائن الرقمي، سواء كان حاسوبا أو لوحات لمسية أو هاتفا محمولا أو سبورة رقمية أو كاميرات أو … إلخ، معرفة تتفاوت درجاتها من مؤسسة لأخرى حسب الوسط والنوعية المؤسسة.

صاحب تبني المدرسة للرقمنة اعتراف الديداكتيك، كعلم التدريس، بها أيضا، وهو ما جعله يفرد لها بابا لتقنين كيفية استعمالها وجعلها تمتثل لضوابط التدريسية وذلك عبر ما يعرف اليوم بالسيناريوهات البيداغوجية لإدماج الوسيلة الرقمية في التعليم. وبذلك أصبح مجال إدماج تقنيات التواصل والإعلام في التدريس مجالا خصبا مفتوحا على الإبداعات واقتراحات المهتمين والمتخصصين فيه بشكل مبهر، الشيء الذي يجعل المتأمل لواقع التربية والتعليم يتساءل عن واقع الرقمنة في التدريس بين الإيجابيات والسلبيات من جهة ، وبين المكتسبات والتراجعات التي حققها المتعلم من جراء تعاطيه للتقنية الرقمية في بناء تعلماته من جهة أخرى.

عرف حسن زيتون الرقمنة في التعليم أو تكنولوجيا التعليم بأنها “الدراسة والممارسة الأخلاقية الخاصة بتسهيل التعليم وتحسين الأداء من خلال ابتكار العمليات والمصادر التكنولوجية المناسبة واستخدامها وإدارتها” 2007 حسب آخر التعريفات التي سيقت لهذا المفهوم. حيث فاقت الإيجابيات المسجلة في مجال إدماج التكنولوجيا والتقنية الرقمية في التعليم بشكل كبير ما كان متوقعا لها، فاكتسحت المدرسة اكتساحا شاملا، مهد أمامها الطريق لذلك سرعة تأقلم التلاميذ مع عالم التقنية والتصاقهم الدائم بها. فتحول دور الوسيلة الرقمية من وسيلة محفزة على التعلم وميسرة له، إلى ملازمة للحياة المدرسية بكل مكوناتها وفي مختلف مجالاتها. ثم بدأ يتقلص دور الأستاذ شيئا فشيئا لتأخذ الألة الرقمية دوره بالتدريج، فعوضت عروض الباوربوينت دروس الأستاذ وشروحاته المفصلة وتدخلاته في مختلف مراحل الحصص، وفي كل المواد، العلمية منها والأدبية والتقنية والفنية وحتى الرياضية …

بواسطة التقنيات الجديدة للتواصل والإعلام في التربية والتعليم، ظهرت مفاهيم جديدة كالقسم المقلوب أو بيداغوجيا الصف المعكوس (المقلوب)، بيداغوجيا 1.0 ، بيداغوجيا 2.0، بيداغوجيا 3.0… كلها مقاربات جديدة قاربت التعليم والتعلم بشكل رقمي يربط بين الأسرة والمدرسة بشكل تشاركي وتعاوني للرقي بجودة الأداء والنتائج.

وموازاة مع هذه الثورة العارمة للتكنولوجيا الرقمية في مجال التعليم، أعلنت بعض الشركات الكبرى الرائدة في الصنع الرقمي كشركة ميكروسوفت، مسابقات للإبداع في الموارد الرقمية والوسائل التعليمية والمشاريع المجددة في التعليم، وحصدت نتائج عالمية مبهرة؛ هذا إلى جانب تكوينات عن بعد تمنح مقابلها شواهد عاليا. أما البرمجة التربوية، فسجلت هي الأخرى تسابقا كبيرا نحو إعداد تطبيقات وبرمجيات ملفتة للنظر وغاية في الإتقان والاحترافية، الأمر الذي دفع الوزارات الوصية على القطاع التربوي إلى تنظيم مسابقات إقليمية وجهوية ووطنية وتنفتح على المسابقات الدولية أيضا.

سرعة لا مثيل لها سجلها ولوج التقنية الرقمية عالم التربية والتعليم، والمثير للدهشة هو مدى انخراط الجميع (من جميع الفئات والمواقع) ومساهمتهم في ذلك. ولم تتوقف سيول التجديد عبر الرقمنة عند هذا الحد، بل انفتحت على شبكات التواصل الاجتماعي، وأشركتها في العمل التربوي باستثمار مسطحات التربية والتكوين، المنتديات التربوية، مجموعات الفيسبوك والواتساب، ثم إنشاء بعض الشبكات التواصلية الخاصة من طرف المؤسسات للتواصل بين منتسببها من جميع الفئات، يتم فيها تقاسم الأعمال وإبداء الرأي والاستشارة ونشر كل ما يتعلق بالعمل التربوي، يلجها كل مستعمل باستعمال رمز سري وقن المرور المعد من طرف إدارة المؤسسة …

أمام هذا الوضع الجديد، كان لابد من التفكير في إطار ديداكتيكي يقنن الاستعمال الرقمي في العمل التربوي التعليمي والتعلمي، حتى يتحقق الهدف المنشود من إدماج التقنية الرقمية في التدريس وذرء للوقوع في منزلقات استعمالاتها الخاطئة.

اتجه المهتمون بالمجال إلى العمل على انتاج سيناريوهات بيداغوجية لإدماج الوسيلة الرقمية في الحصص الدراسية وتقنين كيفية استعمالها في جميع أنشطة الحياة المدرسية. كما انفتحت المؤسسات التعليمية عبر إنشاء مواقع خاصة بها على الشبكة العنكبوتية تؤطر من خلالها كل ما له علاقة باستعمال الرقمنة ضمن البرامج التربوية والتعليمية (موارد – سيناريوهات بيداغوجية- منصات رقمية …)، بالإضافة إلى تنظيم تكوينات للأطر الإدارية والتربوية العاملة بها لمواكبة التقدم الحاصل في المجال. عمل جبار كان ينتظر المدبرين التربويين، ينطلق من التدبير المالي لتجهيز المؤسسات بوسائل وآليات التكنولوجيا الرقمية، مرورا بالتدبير التربوي المرافق لرقمنة التعليم وصولا إلى التدبير القيمي والاجتماعي وما يستلزم من عمليات استباقية واحترازية حتى تتم الاستفادة ما أمكن من رقمنة التعليم دون الوقوع في سلبياتها أو ما لا تحمد عقباه من سوء استعمالها.

وتجدر الإشارة إلى أن التجربة المغربية في إدماج التقنية الرقمية ووسائل الاتصال في التعليم، انطلقت بشكل فعلي ممنهج منذ سنة 2005، حيث عرف مسار الإدماج مسارات كبرى تمثلت في ثلاث مراحل:

  •  المرحلة الأولى من 2005-2008 وخصصت لوضع الاستراتيجية الأولى . هذه الاستراتيجية انصبت حول ثلاثة محاور هي التجهيز والتكوين ثم المحتوى المعرفي المقدم. انتهت هذه المرحلة بتحقيق نتائج هامة تمثلت في تجهيز وتأهيل 2063 مؤسسة لمختلف الأسلاك التعليمية بموارد رقمية ومعدات تقنية وربط بالشبكة العنكبوتية… ثم استفادة 50000 ألف أستاذ من تكوينات. أما في محور المحتوى المعرفي الرقمي المقدم فقد تم تبني مشاريع رائدة في مجال الرياضيات والتكنولوجيا ثم انطلاق دراسات لمختبرات مختصة في المجال الرقمي. 
  • المرحلة الثانية ( 2009-2015) خصصت لمراجعة وتحيين الاستراتيجية الأولى.
  • المرحلة الثالثة 2016-2017 خصصت لإعادة تحيين الاستراتيجية، حسب ما جاءت به الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 لإصلاح التعليم.

خلصت استراتيجية الرقمنة في المؤسسات التعليمية وإدماج تقنيات التواصل والإعلام بها إلى النتائج التالية : تجهيز 85% من مجموع المؤسسات التعليمية ( قاعات متعددة الوسائط- حقائب متعددة الوسائط – ربط بالشبكة العنكبوتية- سبورات رقمية – لوحات لمسية …)، تكوين %100 من الأساتذة (أربع مجزوءات متخصصة PDP TICE- TICE&VSTICE&TBIModule CMCF TICE – – تعبئة 900 مكون رئيسي –  إنشاء 148 مركز للتكوين موزعة على جميع الأكاديميات- تكوين 3000 خبير في المركز المغربي-الكوري –  2013-2016 انطلاق برنامج التكوين والاشهاد استفاد منها 120000 إطار تربوي من تكوينات MOS   و 1200 إطار من MCE(TWT)– – ثم إنشاء أول MOOC GENIE لتكوين الأساتذة عن بعد عن طريق المسطحات .

أما فيما يخص المحتويات الرقمية، عملت الوزارة على المصادقة على 80 %من الموارد الرقمية، إضافة إلى تأهيل وتكوين موارد بشرية مختصة وتفعيل مواقع خاصة بالمحتويات المعرفية المدرسية الرقمية (تعليم تيس مثلا) …

بالنسبة للبرمجيات عملت الوزارة على اطلاق برنامج تحسيسي لفائدة 600 ألف تلميذ حول برمجة Scratch ؛ ثم برنامج استفاد منه حوالي 1000 تلميذ: Convention Devoxx4Kids Morocco (programmation & robotique) ؛   

– إضافة إلى برمجيات أخرى في إطار الشراكة مع شركة للاتصالات .

وتعمل الوزارة في إطار تنزيل مضامين الرؤية الاستراتيجية على العمل على تقوية قدرات المتعلمين من جميع الفئات في مجال تقنيات الإعلام والتواصل في التعليم والتعلم، وذلك عبر مخطط المرحلة الرابعة 2017-2021.

مجهودات كبيرة بدلت في سبيل رقمنة التعليم وإدماج الوسائل التكنولوجية الحديثة في المنهاج الدراسي المغربي، وآفاق واعدة مازالت تنتظر الأجرأة والتفعيل عبر تنزيل مضامين الرؤية الاستراتيجية للإصلاح.

لا شك أن باقي الأنظمة التربوية العالمية، كانت سابقة وسباقة لتبني التقنية الحديثة، وبديهي أن تكون النتائج التي حصلتها متقدمة جدا، وهذا ما تؤكده الدراسات والتحقيقات التي تقوم بها هذه الأنظمة بين الفينة والأخرى لتقييم وضعية التربية والتكوين لديها. حيث قدم التقرير التركيبي لإدماج TIC في مدارس كيبيك العمومية والخاصة المنجز من طرف مؤسسةCefrio   بالشراكة مع وزارة التربية الكندية في فبراير 2015، وصفا دقيقا لوضعية التعليم عبر الرقمنة في المدارس الكندية ومدى رضا التلاميذ والأسر وكذا الفاعلين التربويين عما حققه إدماج هذه الوسائل في المناهج الدراسية من سهولة وتيسير للتعليم والتعلم .

     لا يمكن، اليوم، لأحد أن ينكر ما حققته رقمنة التعليم من مكتسبات انعكست على مردودية المتعلمين الدراسية من جميع الفئات، وكذا على رفع مستوى وعيهم بالتكنولوجيا الرقمية وتسخيرها لخدمة تعليمهم، إلا أن كل ذلك لم يخل من آثار جانبية تكاد أن تكون جلية لدى البعض منهم، وتتجلى أساسا في ضعف مستوى الإنتاج الكتابي عامة، والذي أصبح ظاهرة تستأثر بالدراسة والبحث في كل الأنظمة التربوية، ما يزيد من استفحالها أيضا قرار تخلي بعض المؤسسات عن الكتابة بالخط اليدوي وتعويضها باللوحات اللمسية في محاولة لعرض خدمات ذات جودة عالية لكسب المزيد من الزبناء.

استعمال الوسيلة الرقمية قلص، إلى حد كبير، رابطة الأبوة /الأمومة بين الأستاذ(ة)  والتلميذ(ة)، وأصبحت العلاقة تشوبها وساطة الحاسوب والسبورة الرقمية والمسلاط والصورة المتحركة والصوت المسجل … مما قد يخلق بعض الجفاء العاطفي وهو ما لا يمكن أن تحمد عقباه.

إن الإسراف في استعمالها شيء قد يعطي نتائج عكسية، فبدل تحفيز التلميذ تصبح وسيلة بليدة لا تسترعي اهتمامه ولا تحقق العرض منها (حدد الديداكتيكيون مدة ما بين خمس وعشر دقائق من الحصة الدراسية، فقط تستعمل فيها الوسيلة الرقمية للمحافظة على قيمتها وعنصر التشويق فيها).

سرعة تعامل وتعلم التلاميذ للتقنية والتكنولوجيا الرقمية يقوق الأساتذة بشكل كبير وقياسي، مما قد يضع هؤلاء في مواقف حرجة أمام تلامذتهم أثناء الحصص الدراسية، وبالتالي يفقدون السيطرة على أقسامهم ولا يتمكنون من ضبطها.

ناهيك عن استعمالاتها في الغش في الامتحانات وفي تصوير أحداث من صلب الواقع المدرسي واستعمالها لأغراض مشينة تسيء للمدرسة بشكل عام.

    تشبه الثورة الرقمية إلى حد كبير الثورة النووية في صنع الأسلحة، الكل يتسابق نحو التسلح بها؛ في حين، أن الجميع يخاف من مغبة استعمالها. كذلك الحال في مجال الرقمنة والتكنولوجيا الرقمية، فهي اليوم واقع جميل لا يمكن التخلي عنه، في حين أنه يحمل في طياته وخزات موجعة ينبغي الاحتياط منها عبر نشر ثقافة الاستعمال السليم للمجال الرقمي في الحياة برمتها والتربية والتعليم جزء أساسي منها.

المراجع:

حسن حسين زيتون – رؤية جديدة في التعليم “التعليم الإلكتروني”: المفهوم –القضايا-التطبيق-التقييم، المملكة العربية السعودية، الرياض: الدار الصولتية للتربية.

مصدر الإحصائيات والأرقام : مديرية جيني بوزارة– مديرية المناهج بوزارة التربية الوطنية – المغرب

Rapport synthèse : usages du numérique dans les écoles québécoises  – cefrio 13 février 2015.

اظهر المزيد

تربية و تكوين

استاذ مهتم بعالم التربية و التكوين في المجال التربوي مهتم بنظريات التربية و الطرق التدريس الحديثة مهتمه بالبحوث التربوية و كل ما يتعلق بالمجال الديداكتيكي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!