السينما والتربية

السينما والتربية فيلم la vie scolaire

La Vie scolaire : Affiche

الفيلم، لسنة 2019، يتناول حياة سامية الجديدة في وظيفة le Conseiller Principal d’Education (CPEمستشارة رئيسة للتربية) وزملائها والأساتذة في مدرسة الجمهورية الفرنسية، مدرسة أقل ما يقال عنها “صعبة” في ضواحي مدينة سانت دنيس؛ حيث تكتشف (البطلة) ومنذ بداية عملها مع الدخول المدرسي، من جهة، مجموعة المشاكل متعلقة أساسا بالانضباط والواقع الاجتماعي المرير الذي ترزح تحته المنطقة؛ ومن جهة أخرى، تكتشف أجواء تختلط فيها السعادة بالقلق والغضب والضحك، من خلال احتكاكها مع زملائها أو التلاميذ؛ إن وضعية سامية، الغريبة في هذه البلدة، والتي انتقلت لإليها بسبب سجن صديقها في السجن المحلي، ساهم في تقربها من التلاميذ ومحاولة مساعدتهم وتوجيههم لمصلحتهم ومستقبلهم، ومن بين هؤلاء والذي كان لها تأثير عليه، “يانيس” مراهق طموح وله قدرات، لكنه لا يهتم بالتمدرس ولا التدريس، ابوه في السجن يعيش مع اخته الصغرى وأمه، لا يهتم بالمدرسة لأنه لا يرى جدوى دراسة مواد لا علاقته بمجتمعه وواقعه كالرياضيات والتاريخ، وهذا التمرد يسبب له مشاكل مع المدرسين ليكون في كل مرة وجها لوجه مع المستشارة سامية، التي تحاول في كل مرة إقناعه بعدم اهدار طاقته وقدراته، وكذا مجانبته الوقوع في فخ ” الفشل والهدر المدرسيين”.

تعد السينما الفرنسية، نموذجا للسينما الوثائقية التي تنطلق من المجتمع الفرنسي لتصور واقعها والمشاكل التي يتخبط فيها؛ وتعد المدرسة الفرنسية في السينما مسرحا ومادة خامة للكثير من النظريات والأفكار والآراء المتداولة في المجتمع، لدرجة أن الفكر الاجتماعي التربوي الفرنسي انطلق اغلب منظريه (بورديو، باسرون،…) من المدرسة، كذلك السينما الفرنسية؛ فثمة عناوين كثيرة لأفلام فرنسية تتناول أعلام التربية الفنرسية أو الفصل الدراسي أو المدرسة ككل، نذكر على سبيل المثال: étre et avoir ، le maître de l’école/  ce n’est qu’un debut/ les grands esprits/le maître est l’enfant …

La Vie scolaire : Affiche

منذ العنوان، نقف على موضوع الفيلم السينمائي: فالحياة المدرسية، حياة متقلبة بأفراحها وأتراحها، تختلط فيها المشاعر والاحاسيس بالمواقف والأشخاص والعلاقات… فهي حياة مفعمة بالتوتر والقلق والحيطة والحذر… تتخللها مواقف ساخرة وفكاهية؛ وهي بشكل عام، ما نجده في مدارسنا لما نسمعه من أخبار وأحداث ومواقف الأطر التربوية والإدارية والاباء وأولياء التلاميذ، والتلاميذ من جهة.

إنها حياة مصغرة للمجتمع الفرنسي الكبير، الذي تنخره تناقضات ادماج المهاجرين والاختلاط الديني واللغوي والعرقي والثقافي والقيمي… الحياة المدرسية التي لم يستطع أن يتأقلم معها التلاميذ والاطر التربوية مثقلين بهمومهم الشخصية والنفسية والاجتماعية… إنها ما يرغب المخرجان أن يقدمانه لنا، نموذج الحياة المدرسية في الاحياء الهامشية.

فالحياة المدرسية، حياة تحكمها مجموعة من الضوابط والقوانين والتشريعات التي تحفظ حقوق التلاميذ والأطر التربوية والإدارية على السواء، كما تنظم في نفس الوقت العلاقات بينهم؛ ويمكننا هنا أن نشير إلى تمثيلية التلاميذ في كل مستوى في مجلس التأديبي حول التلميذ “يانس”؛ إن الترسانة القانونية التي تؤطر العمل التربوي عموما إداريا وتربويا… لا تسمن ولا تغني من جوع إن كان المجتمع الأكبر كله بمختلف تلاوينه لا يحترم القوانين ولا يحترم المدرسة وأدوارها الإصلاحية، خاصة اذا علمنا أن تغيير عقليات أو الرأي العامة أو وعي المجتمعات – كما أثبت الدراسات في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع – تمر عبر ثلاث قنوات أساسية: مؤسسات الإعلام، التشريعات والقوانين،  ثم مؤسسات التعليم. فالإعلام في المجتمعات قناة لتوجيه والوعي -مصداقا للقول القائل: الناس على دين إعلامه، إلا اننه قد استقال ن هذا الدور لتراجعه لحساب منصات التواصل الاجتماعية و كذا العولمة الإعلامية والتكنولوجية؛ أما القوانين، فهي في المجتمعات النامية أداة للضبط أكثر منها وسيلة لتكوين الوعي وتأطير المجتمع؛ كذلك التعليم، فقد تحول إلى قناة للضبط والسيطرة، بعدما كان في مرحلة من التاريخ مقياس تقدم المجتمعات وتؤطرها، أصبح اليوم أداة توظفها المؤسسات الدولية لإنشاء أجيال فاقدة للهوية والمناعة الثقافية والنفسية والأخلاقية، أجيال فقدت بوصلة الحياة، منغمسة في عوالم المانغا والخيال العلمي والألعاب الترفيهية بشتى أنواعها، أجيال لا ترى في الوجود الا تحقيق المتعة و البحث عن اليسير والسهل للحصول على الأموال، أجيال ضائعة في الزمان والمكان…

لهذا، فإن التلميذ في مجتمعه تنخره الرغبة في التعلم والارتقاء الاجتماعي، في نفس الوقت اختصار الوقت والجهد لتحقيق أحلامه وأماله، دون المرور عبر مؤسسات التربية كالمدرسة والجامعة، مما يعيدنا مرة أخرى إلى فكرة “اللامساواة المدرسية”، لامساواة في الظروف المعيشية، لامساواة الثقافة المدرسية، لا مساواة في الفرص الحظوظ، لامساواة في التكوين والتأطير والبينة التحتية، لامساواة في التوجيه…

اظهر المزيد

تربية و تكوين

استاذ مهتم بعالم التربية و التكوين في المجال التربوي مهتم بنظريات التربية و الطرق التدريس الحديثة مهتمه بالبحوث التربوية و كل ما يتعلق بالمجال الديداكتيكي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!