صنع القرار التربوي في المغرب، نقد وتقييم لنماذج من القرارات التربوية، قراءة في كتاب

صدر الكتاب، للدكتور إبراهيم الوجاجي، في طبعته الأولى سنة 2017، منشورات المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية، عن دار القلم الرباط.

يتناول الكتاب أهمية القرار التربوي في إدارة قطاع التربية والتكوين، وكذا تدبيره على المستويين الافقي والعمودي، مركزيا وجهويا وإقليميا ومحليا؛ فالقرار التربوي يعد وسيلة وآلية لتنزيل الاختيارات والتوجهات الكبرى التي تؤطر المنظومة التربوية الوطني ككل.

وقد عرف المغرب مجموعة من الإصلاحات التربوية والتعلمية، عرفت من التعثرات والاخفاقات لأسباب عدة… منها ما هو مرتبط بكيفية صناعة القرار التربوي وتنزيله: ” … جلّ هذه الإصلاحات عرفت تعثرات أو بعض الإخفاقات، ولعمية صنع القرار التربوي حظ وافر من هذه الإخفاقات أو التعثرات” (ص2)؛ إما لأنها تتخذ بشكل فردي، أو أنها قرارات تناقض التوجهات والسياسات العامة للمنظومة(التسرع والارتجالية، عدم التمييز بين عمليتي صناعة واتخاذ القرار…)، أو أنها قرارات تتسم لاعقلانية (ارتجالية، غير موضوعية)، أو قرارات نابعة من توجيهات مؤسسات اجنبية( صندوق النقد الدولي).

وقد ركز الدكتور إبراهيم في دراسته على نقد وتقييم لبعض القرارات التربوية والتي لها تأثير كبير ومباشر على الشأن التعليمي والتربوي على حد سواء، حصرها في ثلاث قرارات أساسية: قرار التعريب، قرارا التعميم، ثم قرارا الغاء العمل ببيداغوجيا الادماج.

ويبدو واضحا، أن هذه القرارات لاتزال موضع نقاش في الساحة التربوية المغربية إلى الآن، ونخص بالذكر التعريب أو السياسية اللغوية في المجال التربوي، التعميم والذي يتم الاشتغال عليه في مستوى التعليم الاولي، حسب توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وبيداغوجيا الادماج والتي، منذ الغائها، لم تحدد بعد البيداغوجيا الجديدة التي يمكن الاشتغال بها، فيما يسميه أحد الباحثين “بالفراغ البيداغوجي”.

قسم الباحث الكتاب إلى فصلين: الأول نظري لصنع القرار التربوي، والشق الثاني تطبيقي: تناول فيه النماذج الثلاث التي أشرنا إليها (قرار التعريب، التعميم، إلغاء بيداغوجيا الادماج) للنقد والتحليل في سياقتها الزمنية والسياسية، وتقييمها في مرحلة ثانية بناء على استمارات موجهة إلى رجال ونساء التعليم (مفتشون41/أساتذة الابتدائي 25، الاعدادي 32، الثانوي 28) المجموع العام للعينة (هيئة التفتيش:41، هيئة التدريس 85).

يتوزع الفصل الأول الموسوم بـالاطار النظري لصنع القرار التربوي،

المطلب الأول مدخل مفاهيمي حدد فيه المؤلف تعريف لمفهوم القرار، والقرار التربوي وكذا صنع القرار واتخاذ القرار، ليخلص في الأخير إلى ان عملية صنع القرار هي عملية جماعية متكاملة، وان الانتهاء منها إلى قرار معين يمثل ذروة التفاعل والتشاور الذي يتم على عدد من المستويات التنظيمية ذات الصلة بهذه العملية المعقدة. (ص19).

المطلب الثاني: علاقة القرار التربوي بالسياسة التعليمية، فتطرق إلى مفهوم السياسة التعليمية وتنازل العلاقة بينها وبين القرار التربوي؛ ليخلص في الأخير إلى أن السياسة التعليمية هي البيئة الأولية لصنع القرار، فهي التي نحدد مسار صناعة القرار واتجاهه… لأن صنع القرار التربوي يعبر عن مضمون السياسة التعليمية. (ص27)

المطلب الثالث: المتدخلون في عملية صنع القرار التربوي، وميزّ الأستاذ إبراهيم بين المتدخلون الرسميون (السلطة التنفيذية، التشريعية، القضائية) والغير الرسميين (الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، جماعات الضغط، النخب السياسية، الرأي العام، وسائل الاعلام).

المطلب الرابع: الإطار التحليلي لعملية صنع القرار، تطرق بعض النماذج المعمول بها في إطار تحليل عملية صنع القرار: نموذج الجماعة، ونموذج النخبة، نموذج النظم.

المطلب الخامس، خصصه الكاتب لمعايير تحليل القرار التربوي، وحددها في 20 معيارا، وهي: المرجعية المجتمعية، التفاعل مع المتغيرات العالمية بما يتفق مع حاجات المجتمع، الاتساق والتكامل، تكامل سياسات التعليم مع سياسات قطاعات المجتمع الأخرى، التقويم المستمر للسياسة التعليمية في ضوء حاجات المجتمع، اسناد وضع ومراجعة السياسة التعليمية للمؤسسات المتخصصة مع اشراك المجتمع في ذلك، الابتعاد  عن المقارنات غير العلمية للسياسات التعليمية الأخرى، التعليم عملية مستمرة، التعلم الذاتي، الاهتمام بتعليم ما قبل المدرسة، الزامية التعليم الأساسي ومجانيته، المساواة وتكافؤ الفرض التعليمية، تنمية السلوك الدمقراطي وتأصيل مبادئ حقوق الانسان في المجتمع المدرسي، الربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل، التركيز على جودة التعليم، تعدد مجالات الاختيار امام الطالب، الاهتمام بإعداد المعلم، الإدارة الذاتية للمدارس، التأكيد على أهمية النشاط المدرسي، تعزيز الهوية الثقافية وتنمية المواطنة،

اما الفصل الثاني فقد خصصه الباحث للشق التطبيقي: نقد وتقييم لنماذج من القرارات التربوية، وتم توزيعها إلى أربع مباحث التالي:

المبحث الأول: يتناول تقييم رجال ونساء التعليم لصنع القرار التربوي في المغرب، من خلال الحديث عن الإطار المنهجي (المنهجية واداة البحث، عينة البحث، عينة القرارات لتربوية) لينتقل بعدها لوصف العينة في الدراسة الميدانية، ليختم المبحث بعرض نتائج تقييم الأساتذة والمفتشين لصنع القرار التربوي.

المبحث الثاني: نقد وتقييم قرار تعريب التعليم: عرض وتحليل، تم فيه عرض قرار التعريب في إطار سياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي، بعد ذلك قام الأستاذ بنقد هذا القرار، ليقدم في الأخير تحليلا لنتائج تقييم الأساتذة للقرار.

المبحث الثالث: نقد وتقييم قرار تعميم التعليم بالمغرب: عرض وتحليل، تم فيه عرض قرار التعريب بين المخططات واكراه في إطار تتبع واستقصاء تاريخيين من الاستقلال وصولا للبرنامج الاستعجالي، بعد ذلك قام الأستاذ بنقد قرار التعميم، ليقدم في الأخير تحليلا لنتائج تقييم الأساتذة للقرار.

المبحث الرابع: نقد وتقييم قرار الغاء بيداغوجيا الادماج: عرض وتحليل، تم فيه عرض سياق ومبررات الغاء بيداغوجيا الادماج، بعد ذلك قام الأستاذ بنقد هذا القرار، ليقدم في الأخير تحليلا لنتائج تقييم أطر هيئة التفتيش لهذا القرار.

في الأخير، قام الدكتور إبراهيم، بتمحيص دقيق لفرضيات التي انطلق منه في بحثه هذا، والذي ذيله بخاتمة ضمها أهم الخلاصات والتوصيات التي خرج بها في بحثه.

البحث بشكل عام، رحلة في القرار وصنع القرار التربوي واهميتها المركزية في تدبير وإدارة الشأن التعليمي؛ كما أنه رحلة بحث فريدة لتتبع القرارات التربوية المغربية، والتي لا تزال ذات راهنية في الساحة التربوية، التعريب نموذجا.

 

الكاتب: محمد جوغو