التاريخ الراهن:أكتوبر 1, 2022

قراءة في كتاب : المخطط الوراثي ،كيف يجعلنا الـDNA  من نكون.

قراءة في كتاب : المخطط الوراثي ،كيف يجعلنا الـDNA  من نكون.

الكاتب : روبرت بلومين،

المترجم: نايف الياسين.

سلسلة عالم المعرفة عدد 495 يونيو 2022

المتعارف عليه أن الوراثة يَنقل عبرها جيل للجيل الذي يليه الصفات الجسدية والفيزيولوجية فقط، وذلك من خلال الجينوم البشري، فنجد للعائلة نفس لون الشعر والعينين، وتقاربا في طول القامة وفي ملامح الوجه؛ والكتاب الذي بين أيدينا يحاول أن يشكك في ضيق هذه النظرة أو المسَلمة، ويوسع مما يمكن أن تنقله جيناتنا ليشمل حتى السمات الشخصية أو النفسية، يحاول من خلال خلاصات أبحاث ودراسات طولانية على امتداد عقود من الزمن أن يثبت أن الفصام والاضطرابات النفسية والأمراض العقلية هي حتمية جينية وراثية بنسب معينة، وليست وليدة تأثير البيئة فينا، بمعنى اخر، فالاكتئاب ليس رد فعل لأحداث ووقائع محزنة أو صدمات قوية في حياتنا تجعلنا نحزن حد الاكتئاب، بل يمكن أن يكون هذا الاضطراب النفسي منقولا وراثيا عبر الجينات، وإن كان للبيئات من وقائع و احداث واشخاص تأثير على نشوء هذا الاضطراب أو غيره، فهو تأثير هامشي وعشوائي وليسا منتظما ومستقرا ودائما.

قَسم الكاتب “روبرت بلومين”، وهو عالم نفس ووراثة امريكي، كتابه الى جزئين، تناول في الجزء الأول أهمية الـ DNA عبر تسعة فصول، سعى من خلالها إلى بيان أن السمات الجسدية وحتى الشخصية تخضع للتوريث، فالتوريث بتعبيره ” موجود في كل الخصائص، أي جميع السمات النفسية تظهر تأثيرا وراثيا كبيرا ومحوريا”، واعتبر هذه الخلاصة القانون الأول في علم الوراثة السلوكي.

خضعت للدراسة والبحث مجموعة من الموضوعات منها الوزن والذكاء والانجاز الدراسي والطلاق ومشاهدة التلفاز واختيار الأصدقاء والاعاقات المعرفية كالديسليكسيا…، والخلاصة المشتركة في نتائج أبحاث هذه المواضيع أن لها أصلا وراثيا بنسبة معينة تمثل في متوسطها العام 50%، ورغم أن الكاتب يعتبر الاثار الوراثية ميولا احتمالية، وليست نوعا من البرمجة المحتملة سلفا، إلا أنه يعتبر الـ DNA المصدر المنتظم والمستقر والدائم لما نكون عليه. وفي مدى تأثير البيئة يوضح “أننا نضطلع تجاهها بعمل نشيط في إدراكها، وتفسيرها، واختيارها، وتعديلها، بل خلقها جزئيا على أساس ميولنا الوراثية”، بمعنى أخر، أننا من نتحكم في بيئاتنا وليست هي التي تؤثر فينا؛ وبهذا نختار اصدقاءنا وعدد ساعات مشاهدة التلفاز وإمكانية طلاق الأطفال إذا حدث طلاق بين والديهم، فالأمر هنا لا يتعلق باختبار إرادي حر بل باستعداد وراثي لذلكـ، أي أن جيناتنا هي المسؤولة عما نسميه اختياراتنا.

اختتم الكاتب القسم الأول من كتابه منكرا أي فرق قد يحدثه الأهل والمدرسة والحوادث الحياتية رغم أهميتها، هو يقول إن على الاهل الاسترخاء والاستمتاع بعلاقتهم بأطفالهم دون تدخل منهم في محاولة لقولبتهم، فلا الصرامة تؤثر، ولا التساهل يؤتي أكله، وكُتب التربية خدع تسويقية لا غير.

تعليقا على هذا الجزء من الكتاب تشعر بوجود تناقضات في بعض أفكاره، حيث تجده على سبيل المثال، وفي الوقت الذي أكّدَ فيه عن أن أثر البيئة المشتركة يبقى ضئيلا بين الاخوة، تجده فيما بعد الصفحة 114 يتحدث عن الاخوة الذين يعيشون في بيئة مشتركة ويمرون بتجارب مختلفة وكأنهم في بيئات غير مشتركة، هو ضمنيا ينفي وجود هذه البيئة المشتركة بعد أن سجل قبل ذلك تأثيرها الضئيل؛ إضافة لذلك تجده يلجأ إلى “المصادفة” ليفسر الاختلافات بين التوائم المتطابقة وراثيا (ص 116 وما يليها)، والعلم الحق لا يعترف بالمصادفة. الخلاصة العامة لهذا القسم بلساننا هو أننا مسيرون لا مخيرون، والمجتمع لا يسير في دوامة إعادة الإنتاج إراديا بل وراثيا وجينيا.

في الجزء الثاني من الكتاب والذي عنونه بثورة الـ DNA، سيجد القارئ نفسه داخل المختبر ليطلع على كيفية إجراء الأبحاث والدراسات الوراثية والمناهج الإحصائية الوصفية، هو قسم تطبيقي عملي تخصصي إلى حد ما، قُدّم بلغة بسيطة أمكن بها استيعاب مضامينه، وهو يتحدث فيها عن الإجراءات العملية والعلمية والبحثية التي نهجها الباحثون لتحديد الجزء من الجينوم المسؤول عن سمة معينة. في الفصل الأخير من هذا القسم قدم مجموعة من الأمثلة على استعمال ما أسماه” الدرجات متعددة الجينات”، وهي ما يمثل البيانات الجينومية الخاصة بكل فرد، وقد تنبّأ بأن يكون مصدرها العام مستقبلا شركات تتعامل مباشرة مع الزبائن، خصوصا وأنه توجد حاليا أبناك بيولوجية جينومية لهذه البيانات في عدة دول، تمثل قاعدة بيانات لإجراء الدراسات والأبحاث، وبهذا نكون قد دخلنا حقبة “علم الجينوم الشخصي” كتَجَلٍّ من تجليات ثورة الـ DNA، والذي ستكون تطبيقاته مثيرة جدا للجدل، تطبيقات لا شك أنها ستكون سلاحا دون حدين، حالها كحال باقي الاكتشافات العلمية الأخرى. ومن بين الاحتمالات التي قدمها الكاتب كتطبيق لهذا العلم، سعي الأهل لاختيار أجنة مصممة تحت الطلب، أطفال بمواصفات جينية معينة وخالية من جينات الاضطرابات النفسية والجسدية الموجودة في جينات الاهل، اختيار شريك الحياة بناء على بياناته الجينومية حتى قبل عملية الانجاب، وقد نعرض بياناتنا الجينومية على مواقع التعارف والتواصل الاجتماعي كما نعرض بياناتنا الشخصية.

والأخطر هو استعمال الاخرين لبياناتنا، ليصبح التعليم والتكوين والتوظيف مثلا، تُعتمد بهما في عملية الاختيار على هذه البيانات بدل الاختبارات الاكاديمية والنفسية، “ورغم أن بعض هذه الاحتمالات مرعبة – يقول المكاتب- فإني أتنبأ بأنها ستحدث في النهاية… وهي تثير مخاوف أشبه بما يثيره فيلم ‘غاتاكا’ 1997. واعتبر الكاتب أن “جني الجينوم قد خرج من قمقمه وحتى لو حاولنا فلن نستطيع إعادته إليه”.

 

في ختام هذه القراءة أود أن أنبه القارئ إلى أمرين، أولهما ضرورة قراءة الهوامش في اخر الكتاب بالموازاة مع قراءة متنه، والثانية أن الكتاب يحتاج إلى تركيز في قسمه الأول ليسهل استيعاب القسم الثاني. والخلاصة التي قد تصل إليها أو التي يسعى الكاتب لإيصالها هي عبارة عن قولة أتصرف فيها لتناسب المقام، فمن وُلد على شيء شبَّ عليه ومن شبَّ علي شيء شاب عليها ومن شاب على شيء مات عليه.

الكاتب :الحسن ج

استاذ مهتم بعالم التربية و التكوين في المجال التربوي مهتم بنظريات التربية و الطرق التدريس الحديثة مهتمه بالبحوث التربوية و كل ما يتعلق بالمجال الديداكتيكي